مجرة
(بالتحويل من المجرة)
المجرة عبارة عن تجمعات هائلة الحجم تحتوي على مليارات النجوم والكواكب والأقمار والكويكبات والنيازك [1][2], وتحتوي كذلك على الغبار الكونيوالمادة المظلمة[3][4], وبقايا النجوم, وتتخللها مجالات مغناطيسية مروعة[5], وكلمة مجرة مستقاة من الجذر اللغوي "مجر" وتعني الكثير الدهم.[6]
تتراوح أحجام المجرات وكميّة النجوم فيها ما بين بضعة الآف النجوم للمجرات القزمة, وحتى تلك العملاقة ذات المئة ترليون نجم[7], وكلها تتخذ من مركز الثقل الخاص بالمجرة مداراً لها, وغالباً ما يتم تصنيف المجرات بناءً على الشكل المرئي لها, وذلك أسفل ثلاث فئات رئيسة هي: الإهليجية[8], الحلزونية,وغير المنتظمة[9]. يعتقد أن الكثير من المجرات تحوي ثقباً أسوداً هائلاً في نواتها النشطة, ودرب التبانة مشمولة بذلك لوجود الثقب الأسود الهائل المسمى بـ"الرامي أ" في مركزها, وهو ذو كتلة تبلغ أربعة ملايين مرة كتلة شمسنا[10]. وحتى مايو لعام 2015 فإن المجرة إي جي أس-زد أس 8-1 هي أبعد مجرة تم رصدها على الإطلاق بمسافة تقدر بحوالي 13.1 مليار سنة ضوئية عنا, وبكتلة تقدر بـ15% من كتلة درب التبانة.[11][12][13][14]
هناك قرابة 170 مليار مجرة في الكون المنظور[15], غالبها ذو قطر يبلغ 1.000 حتى 100,000 فرسخ فلكي في ذات الوقت الذي تتبعثر فيه مكوناتها على مسافات تصل إلى ملايين الفراسخ, وهذا اعتماداً على كتلة المجرة وحجمها. الفضاء بين المجري مليء بغازات فضفاضة للغاية بكثافة تقدر بحوالي أقل من ذرة واحدة لكل متر مكعب. أغلب المجرات منظمة ثقالياً إلى أحد المجموعات أو العناقيد المجرية, وتتراكب بهذا الشكل حتى تُكوّن أكبر الهياكل والبُنى الكونية على الإطلاق وهي الخيوط المجريّة المحاطة بالفراغ.[16]
أول المجرات المرصودة خارج درب التبانة كانت مجرة المرأة المسلسلة وذلك في العام 964 ميلادية من قبل عالم الفلك المسلم عبدالرحمن الصوفي[17], تليها سحابة ماجلان المرصودة من قبل نفس العالم.[18]
تحرير اللفظ[عدل]
كلمة مجرة مشتقة من جذر لغوي عربي هو "مَجَرَ" ويعني الكثير والدّهم [6], وقيل مَجِرَتِ الشاة مَجراً وأمْجَرَتْ وهي تُمْجِر إذا عظُم ما في بطنها وانتفخ وأصابها الهزل بسببه فلم تعد تطيق القيام به , وقال أحد العرب:
| تَعوي كِلابُ الحي من عُوائها | وتَحْمِلُ المُمْجِرَ في كِسائها - أعرابي. |
ومنه قيل جيشٌ مَجْرُ أي كثيرٌ جداً , وقال الأصمعي: المُجْر بالتسكين تعني الجيش العظيم المجتمع.[19] وقال ابن نباتة السعدي (327هـ):
| وكم في المَجرّة من أنجُم | لفَرطِ التقارب لم تُحْسَسِ |
التسمية[عدل]
عشرات اللآف المجرات قد تم تصنيفها وفهرستها, لكن القليل منها حالفها الحظ بالحصول على اسم تستفرد به عن غيرها, على سبيل المثال مجرة المرأة المسلسلة,سحابة ماجلان, مجرة الدوامة, ومسييه 104, يستخدم الفلكيون الأرقام من خلال تصنيفات معينة مثل: فهرس مسييه, الفهرس العام الجديد (NGC), فهرس المجرات وعناقيد المجرات (CGCG) وتصانيف أخرى, جميع المجرات المعروفة جيداً للعلماء تظهر في جميع أو في أحد هذه التصنيفات, لكنها في كل مرة تكون موسومة برقم مختلف عن الآخر, على سبيل المثال: المجرة الحلزونية مسييه 109 تحمل نفس الرقم في فهرس مسييه, لكن في الفهارس الأخرى فهي تحمل هذه الأرقام: NCG3992 CGCG6937 وهكذا.
من الأمور المعتادة في العلم إطلاق الاسماء على ما يتم دراسته إن لم يكن يحمل واحداً, حتى وإن كان هذا المدروس صغيراً جداً. قام جيرارد بوديفي وميشيل بيرجر بإنشاء نظام فهرسي جديد, تم فيه فهرسة الف مجرة مع إطلاق الاسماء عليها[20], هذه الاسماء مستقاة من اللغة اللاتينية (بشكل أدق اليونانية المنطوقة باللاتينية)[21], وذلك عن طريق ابتداع خوارزمية مصطلحية يستخدم فيها اسم موجود مسبقاً في أحد أفرع العلوم الأخرى كعلم الأحياء, علم التشريح, علم الأحياء القديمة, ومجالاتفلكية أخرى كاسماء المناطق على المريخ, وهناك من جادل دفاعاً عن هذه الفكرة بأن المجرات ذوات أحجام فائقة وعملاقة لذا فهي تستحق اسماً بدلاً من أرقام لا معنى لها, ومثال لهذه التسمية هي مجرة مسييه 109 التي حصلت على الاسم كالامورفيس أورسي مجوريس, في حين يرى آخرون أن هذه التسميات لا معنى لها وتسبب نوعاً من احتكار الاسماء على لغات معينة تكاد تصبح مندثرة, وهذا ناتج عن الضعف الشديد في المصطلحات الذي تعاني منه اللغة الإنجليزية مقارنة ببعض اللغات مما يدفع العلماء الناطقين بها إلى اجترار الألفاظ من عصور سحيقة وإطلاقها على المكتشفات العلمية الحديثة.
التاريخ الرصدي[عدل]
الاستيعاب الإنساني بأننا نعيش في مجرة لا تعتبر فيها درب التبانة إلا واحدة من مليارات, قد أتى بالتوازي مع الاكتشافات العظيمة للفلك والمجرات ولدرب التبانة نفسها وللسدم كذلك.
درب التبانة[عدل]
مقالة مفصلة: درب التبانة
افترض الفيلسوف الإغريقي ديموقريطس (450 قبل الميلاد) أن الحزام العريض في سماء الليل ليس سوى نجوم موجودة على مسافات بعيدة[22], أما أرسطو (384 قبل الميلاد) فقد اعتقد بأن درب التبانة, أو الضوء على شكل شريط في الليل قد تسبب نتيجة "اشتعال الزفير الناري" لنجوم كبيرة وذات أعداد كثيرة وقريبة من بعضها البعض, ويعتقد أن هذا الاشتعال يمارس نشاطاته في الطبقة العليا من الغلاف الجوي, أي أقرب من القمر, وهي "تلك البقعة من العالم التي تتضمن النشاطات الثقيلة في الكون كلها".[23]
في حين أن للأفلاطوني المحدث أولمبردس الصغير (495 بعد الميلاد) انتقاد لرأي أرسطو يجادل فيه بأنه لو كانت درب التبانة في تلك المنقطة التي يزعمها أرسطو (والتي تقع بين الأرض والقمر) فإنه يجب أن تظهر بشكل مختلف مع اختلاف الأزمان والأماكن على الأرض, وبالتالي فإنها يجب أن تتضمن نوعاً من التزيح يمكن ملاحظته, لكن من الواضح أنها لا تشتمل عليه, لذا فمن وجهة نظره درب التبانة "سماوية".[24]
بعد ذلك أول المحاولات لقياس ورصد التزيح الخاص بدرب التبانة بشكل فعال وعلمي ملموس بعيداً عن الفلسفة قد تم من قبل عالم الفلك العربي ابن الهيثم, واستنتج بعد المحاولات بأن درب التبانة لا تحتوي على تزيح, لذا فإنه يترتب على ذلك أنها بعيدة جداً عن الأرض[25], وليست في غلافها الجوي[26], وبهذا أبطل ابن الهيثم بشكل علمي مزاعم أرسطو التي كانت سائدة قرابة 1500 عام فيما يتعلق بهذا الشأن.
أما العالم الفلكي البيروني فقد افترض بأن درب التبانة عبارة عن "تجمعات غير معدودة من قطع نجمية تشكلت من السدم"[27][28], وهذا أقرب وأدق وأقوى الأقوال القديمة على الإطلاق لأنه موافق تماماً لما اكتشف حديثاً من أن النجوم تولد من خلال تراكم سُدم غازية وغبارية, أما الفلكي الأندلسي ابن باجة فقد افترض بأن درب التبانة "عبارة عن تجمعات نجمية هائلة العدد وقريبة جداً من بعضها البعض حتى تكاد أن تتلامس , ويبدو أن صورتها ثابتة ولا تتغير بسبب تأثيرات الانكسار الناتجة من المواد تحت القمرية"[23][29] مسنداً قوله إلى حالة الاقتران بين المريخ والمشتري كدليل على حصول ذلك عندما يقترب جرمان من بعضهما البعض, أما ابن القيم الجوزية فقد جادل بأن " لا يلزم عدم إدراكنا شيئاً من الكواكب في الفلك الأعظم عدم تلك الكواكب" وهذا كله عائد في نظر ابن القيم إلى ضعف القوى الباصرة في ذلك الزمان,[30] وهذا القول على الرغم من بساطته حالياً إلى أنه صحيح تماماً في وقتنا الحالي لأن الكثير كان يعتقد أن الكون مركب من النجوم والكواكب المشاهدة بالعين فقط ولايوجد سواها بينما وضح ابن القيم وجود نجوم أكثر وأكثر في أغوار الكون لكن لا نستطيع مشاهدتها.
أي أن العلماء المسلمين علموا هذا النوع من التشكلات الفلكية في وقت متقدم جداً قبل العلم الحديث, ولو كانت بصورتها الأولية والمبدئية حيث نقضوا أقوال الفلاسفة السابقين في هذا الشأن, خصوصاً ابن الهيثم الذي أثبت بالدليل القاطع عوار قول أرسطو بأن المجرة تقع أسفل القمر, لذا فقد أخذت العلوم الفلكية قفزة قوية نحو الأمام بعدما كانت قابعة في ركود طويل.
في حين أن أول دليل ملموس بأن درب التبانة تحتوي على عدد كبير من النجوم قد تم تقديمه من قبل غاليليو غاليلي في 1610, وذلك بواسطة مقراب بصري عادي, حيث اكتشف أنها تحوي على أعداد هائلة من النجوم الخافتة[31][32], ثم في العام 1750 تصور الفلكي البريطاني توماس ريت أن درب التبانة عبارة عن تجمع كبير جداً من النجوم التي تدور حول مركز ثقالة خاص بها (هذا التصور ينطبق مع العلم الحديث), وذلك بنفس الآلية الخاصة بالمجموعة الشمسيةولكن على نطاق أكبر بكثير, والقرص الناتج بسبب النجوم يمكن أن يشاهد على شكل موجة من منظور الأرض بسبب موقعها داخل القرص[33][34], وفي 1755 قام إمانويل كانت بكتابة مقالة مفصلة ليشرح ويدقق رأي توماس في بنيةدرب التبانة.[35]
أول مشروع جعل من وصف شكل درب التبانة وتحديد موقع الشمس هدفاً له قد تولاه وليام هيرشل في 1785, وذلك عن طريق حصر أعداد النجوم في المناطق المختلفة من السماء, تمخض عن هذا المشروع رسم بياني لدرب التبانة تقع الشمس في منطقة قريبة من منتصفه[36][37], وفي 1920 قام ياكوبس كابتين باستخدام نهج مشابه لنهج هيرشل فتوصل إلى إخراج صورة عن درب التبانة تبدو فيها إهليجية وحجمها قرابة 15 الف فرسخ فلكي, وتقبع الشمس على مقربة من المنتصف كذلك.
مشروع آخر قام به هارلو شابلي مستخدماً آلية تعتمد على فهارس العناقيد المغلقة المعلومة مسبقاً, توصل شابلي إلى تصور مختلف تماماً تكون فيه درب التبانة عبارة عن قرص مستوي قطره قرابة 70 الف فرسخ فلكي تكون الشمس بعيدة عن المنتصف[33], لكن كِلا المشروعين فشلا في أخذ تشتيت الضوء بسبب الغبار الكوني في الحسبان والذي يتواجد في الاستواء المجري, لكن عندما تم تقدير هذا التأثير وإعطاؤه أهميته وأخذه بالحسبان تغيرت الصورة كليةً, حيث قام روبيرت ترومبلر بوضع هذا التأثير في قياساته لعام 1930 وذلك من خلال دراسة العناقيد المفتوحة[38], حينها فقط انبثقت الصورة الحديثة لمجرتنا وعليها تُبنى التصورات الحالية.
تمييز المجرات عن السدم[عدل]
القليل من المجرات خارج درب التبانة يمكن مشاهدتها بالعين المجردة, حيث أن أول من قام بتصنيفها وتمييزها هو عبدالرحمن الصوفي في 964 ميلادية, حيث قام بمشاهدة المرأة المسلسلة ووصفها على أنها سحابة صغيرة[39], وكذلك قام الصوفي بتمييز سحابة ماجلان الكبرى في كتابه صور الكواكب الثمانية والأربعين, على أنها لم تُشاهد من قبل أي أوروبي قبل القرن السادس عشر[18][40] عندما حكى ماجلان أنه شاهدها في خضم رحلته , أما المرأة المسلسلة فلم تشاهد من قبلهم حتى القرن السابع عشر.[39]
في 1750 قام توماس رويت بتصور أن درب التبانة عبارة عن قرص مسطح من النجوم, وليست السدم الظاهرة في السماء إلا دروب تبانة أخرى[41][42], في حين استخدم إمانويل كانت مصطلح "جزر كونية" لكي يصف تلك السدم البعيدة.[43]
في نهايات القرن الثامن عشر , قام شارل مسييه بتجميع فهرس يحتوي على 109 من أكثر الأجرام السماوية إضاءةً في السماء مع ظهورها بمظهر السديم, أما ويليام هيرشل فقام بفهرسة خمسة الآف سديم[33], وفي 1845 قام ويليام بارسونز بتجميع مقراب جديد قادر على التفريق بين السدم الحلزونية والإهليجية, وتمكن من وضع بعض الملاحظات على بعض تلك السدم لكي يضفي مزيداً من المصادقية لرأي كانت السابق.[44]
قام الفلكي فيستو سليفر عام 1912 بعمل صور طيفية لدراسة أكثر سديم مضيء بهدف تحديد تركيبته, واكتشف سليفر أن للسدم الحلزونية قدر عالي من تأثير دوبلر, وبالتالي حدد أنها تتحرك بمعدل يتجاوز معدل النجوم التي قام برصدها وقياسها, ورأى أيضاً أن أغلب تلك السدم تتحرك بعيداً عنا.[45][46]
في 1917 تمكن هيبر كروتس من رصد مستعر أعظم في كوكبة المرأة المسلسلة, ومن خلال البحث في تاريخ الصور الملتقطة في تلك المنطقة, تمكن من اكتشاف أحد عشر مستعراً آخر, اكتشف هيربر لاحقاً أن هذه المستعرات أخفت بـ 10 قدر ظاهري من تلك الموجودة في درب التبانة, وكنتيجة لذلك تمكن من حساب تقديري لمسافتها بـ150 الف فرسخ فلكي, ومن ثم أصبح مناصراً لنظرية ما يسمى بـ"جزر كونية" التي مهدت في الأساس لكون أن السدم هي في الحقيقة مجرات مستقلة بالكامل.[47]
1920 هو العام الذي جرت فيه المناظرة بين هارلو شابلي وهيبر كروتس, وذلك لتسليط الضوء على بعضة مسائل فلكية كانت تشكل نوعاً من الغموض في تلك الفترة وهي: طبيعة درب التبانة, السدم الحلزونية وأبعاد الكون, وفي هذه المناقشة قام هيبر بتدعيم وجهة نظره بأن المرأة المسلسلة ليست إلا مجرة خارجية منفصلة تماماً عن درب التبانة, وذلك عن طريق حجتين أولاها: أن لاحظ وجود خطوط داكنة في غيمة الغبار تماثل تلك الموجدة في درب التبانة, وثانيها: وجود قدر كبير من تأثير دوبلر.[48]
وفي العام 1922 قام الفلكي الإستوني إيرنست أوبك بتقديم مسافة متوقعة للمرأة المسلسلة تدعم نظرية أنها جسم منفصل ومستقل عن درب التبانة[49]. أما إدوين هابل فاستخدم مرصد جبل ويلسون لحل غموض الأطراف الخارجية لبعض السدم الحلزونية بافتراض أنها عبارة عن نجوم مستقلة بذاتها, بل قام أيضاً بتحديد المتغير القيفاوي لها. أتاح له هذا تقدير مسافة السديم عن درب التبانة بحيث حدد أنه بعيد جداً ليكون جزءً من درب التبانة[50]. وفي العام 1936 قام هابل بوضع تصنيف للمجرات لا زال يستخدم حتى يومنا هذا.[51]
في السابق كان يطلق مصطلح سديم على جميع الأجرام السماوية التي تظهر على شكل غمامة أو سحابة لذا فقد يتم الخلط بين تجمعات الغبار والغاز وبين المجرات, أما الآن فالسديم أصبح يطلق على تجمعات الغاز والغبار وله أنواع متعددة: كالسدم الكوكبية, بقايا المستعرات العظمى, السدم المتبعثرة, سدم الانعكاس, السدم المظلمة, وأجرام هايبك.[52]



0 التعليقات:
إرسال تعليق